أخبار عاجلة
الرئيسية » آخر الأخبار » أزمة الهوية لدى المهاجر العربي بقلم الدكتور علي القاسمي
الهجرة الغير الشرعية بين الأمل في الحياة أو النهاية وسط قوارب الموت - السفير العربي

أزمة الهوية لدى المهاجر العربي بقلم الدكتور علي القاسمي

 السفير العربي : أزمة الهوية لدى المهاجر العربي بقلم الدكتور علي القاسمي  .. 

لا تهاجر، من البلاد العربية إلى الغرب، عناصرُ الإنتاج الأربعة : المواد الأولية، ورؤوس الأموال، واليد العاملة، والعقول العلمية فحسب، بل تهاجر كذلك بعض وسائل الإعلام من صحافة وتلفزة، وأحزاب سياسية معارضة. وسنقتصر في مقالتنا على أزمة الهوية لدى لمهاجرين العرب.أزمة الهوية لدى المهاجر العربي بقلم الدكتور علي القاسمي

الهُوية ، في الأصل، مصطلح فلسفي يدلُّ على ما يكون الشيء به هو نفسه. وهو مشتق من الضمير ” هُو”. وقد تطوّر مفهومه ليصبح اليوم، مجموعة العناصر التي تميّز ذاتاً عن غيرها من الذوات، سواء أكانت تلك الذات حقيقية أم اعتبارية.

ولهذا يمكن التحدُّث عن نوعيْن من الهوية :

ـ الهوية الشخصية : وهي مجموعة الخصائص التي تميّز إنسانا معيناً عن غيره من الناس، مثل: اسمه، وجنسه، وجنسيته، وشكله، ولغته، ودينه، وانتمائه، وسلوكه، إلخ.

ـ الهوية الوطنية : وهي مجموعة الخصائص التي تميّز بلداً من البلدان أو  أمة من الأمم، مثل: الأرض، واللغة، والتقاليد، والتاريخ، والسياسة، إلخ.

 فأساس الهوية بنوعيها هو الثقافة التي تتكوّن من مجموع المعارف والمعتقدات والعادات والأخلاق والقيم والفنون والقوانين السائدة في المجتمع. وتنتقل الثقافة باللغة المشتركة، وتُكتسَب من الأسرة والمدرسة والمجتمع.

وتعمل الدول، عادة، على تنمية هُوية وطنية مشتركة لدى المواطنين عن طريق التعليم والإعلام من أجل الإدماج الاجتماعي وإرساء السلم الأهلي .أزمة الهوية لدى المهاجر العربي بقلم الدكتور علي القاسمي

بيدَ أن السياسة اللغوية والسياسة التعلمية، في معظم البلدان العربية، لا تساعدان على تكوين هوية وطنية مشتركة للأسباب التالية:

ـ أولا، تهمِّش السياسةُ اللغويةُ اللغةَ الوطنيةَ، وتجعل من لغة أجنبية ( عادة الإنجليزية أو الفرنسية) لغة سوق العمل، خاصة في المؤسَّسات التجارية والمالية،  ولغة التعليم العلمي والتقني، ولغة معظم إدارات الدولة. ولا يستخدِم الإعلام العربي في معظمه اللغة العربية الفصيحة المشتركة، وإنما يشجِّع اللهجات العامية، بحجة تيسير الفهم.

ـ ثانياً، خلافاً لتوصيات “ تقارير التنمية البشرية ” التي تؤكِّد أن تحقيق التنمية البشرية يتطلَّب توجيه الأولوية للتعليم والصحة، فإن معظم الدول العربية  تهملهما وتتركهما للقطاع الخاص.

ـ ثالثاً،  إن المدارس على أربعة أنواع:

 أ ـ مدارس أجنبية  لأبناء النخبة تعلِّم منهجاً أجنبياً بلغة أجنبية، فيتقن خريجوها اللغة الأجنبية، ويجدون بعض الراحة وسط الثقافة التي اكتسبوها في المدرسة. ويعانون من اغتراب ثقافي في وطنهم .

ب ـ مدارس حكومية تعلّم منهجاً وطنياً قديماً، وهي سيئة التجهيز يؤطّرها معلِّمون ضعيفو التأهيل كثيرو التغيُّب. ولهذا لا يستطيع خريجوها استعمال اللغة الأجنبية. وتستوعب هذه المدارس أطفال عامة الشعب، ويكثر التسرُّب منها.

ج ـ مدارس أهلية بأجور باهظة ترهق كاهل الطبقة المتوسطة و تستخدم المنهج الوطني مع عناية باللغة الأجنبية.

 د ـ مدارس دينية تقليدية، يلمُّ خريجوها باللغة العربية وليس اللغة الأجنبية.

وتتمخّض عن السياستين اللغوية والتعليمية  النتائج التالية:

ـ يوجد حوالي مئة مليون أمي بالعالم العربي أي ثلث السكان تقريباً، طبقاً لإحصاءات المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم،  وهذه أعلى نسبة بين الأمم.

ـ تُخرّج  أنواع المدارس المختلفة مواطنين بهويات مختلفة وعقليات متباينة.

ـ يستطيع خريجو المدارس الأجنبية وكثير من خريجي المدارس الأهلية الحرة ولوج سوق العمل، لإلمامهم باللغة الأجنبية.

ـ تعاني الأغلبية الساحقة من خريجي المدارس الحكومية والدينية البطالة التي بلغت في صفوف الشباب العرب حتى سن الثلاثين أكثر من 30% ، طبقاً لمنظمة العمل العربية.

في ضوء هذه النتائج ،  فالمرشحون للهجرة نوعان رئيسان:

ـ خريجو المدارس الأجنبية الذين يجدون راحتهم وسط الثقافة الأجنبية، ولكن هويتهم العربية مشروخة.

ـ العاطلون عن العمل الذين يركبون قوارب الموت بحثاً عن كرامتهم الإنسانية في دول الغرب. وهؤلاء لم يتشبّعوا بالهوية العربية التي تتقبل الآخر وتحتفي بالاختلاف والتنوع، لضحالة تعليمهم فتكون معاناتهم النفسية أشد وأدهى.

(ولم نتطرق هنا إلى نوع ثالث من المهاجرين وهم أولئك اللاجئون الذين يضطرون إلى ترك بلدانهم العربية بسبب الاضطرابات الاجتماعية أو الحكومات الشمولية التي يستشري فيها الفساد والمحسوبية والتي تُشعِرهم بالظلم والحيف، فينشدون العدل وتحقيق الذات في مكان آخر.)

ومهما كان نوع المهاجر العربي في الغرب، فإنه يواجه أزمةً مستعصيةً تتمظهر في:

 أولا، الشعور بالغربة والاغتراب في مجتمع تسوده لغةٌ لا يتقنها وتغلب عليه ثقافةٌ لم يتعوّد عليها،

 ثانياً، صعوبة اندماجه في محيط ثقافي جديد لا يمكِّنه من تحقيق الذات بسهولة.

وفيما كنتُ أكتب هذا المقال في مقهى  بحديقةٍ في مدينة مراكش الرائعة، التحق بي شاعر عربي هاجر قبل أكثر من عشرين عاماً من أحد أكثر البلدان العربية تخلُّفاً وفساداً إلى أحد أرقى البلدان الأوربية تقدّماً وشفافية. وكان أخبرني أنه يمضي عطلاته في البلدان المغاربية لكي يحس باللغة العربية وثقافتها حوله فيتمكَّن من كتابة الشعر بالعربية.

رجوتُ هذا الشاعر المهاجر أن يلقي نظرةً على مقالي هذا، ويبدي عليه ما يعنّ له من الملاحظات.

قرأه وقال لي :

ـ فاتكَ أن تتحدَّث عن صعوبات المهاجر حينما يرغب  في تعلُّم اطفاله العربية وتشبٌّعهم بالثقافة الإسلامية.

وتكمن المعضلة في أن الأطفال يميلون بطبعهم للتماهي مع الأطفال الآخرين والمجتمع، ويقاومون أي ضغط عليهم للتحدُّث بلغة لا يستعملها مجتمعهم أو التقيُّد بعادات لا يراعيها.

أخبرني أنه هاجر مع زوجته وابنه الذي يبلغ السنة الخامسة من العمر، ووُلِد له ابنان آخران في المهجر. فحرص على تعليم أبنائه العربية.  ولا توجد مدرسة تعلم الأطفال شيئاً من العربية  والقرآن الكريم، إلا على بُعْدِ ساعة بالسيارة من مسكنه، وتعمل فقط في العطلة الأسبوعية ، التي يحتاجها هو وأطفاله للنوم والراحة. وعلى الرغم من المنغِّصات، فإنه داوم على اصطحاب أطفاله للمدرسة. وذات يوم كانوا في المنزل، فسمع الأب ابنه الصغير يطلب من أخيه الأكبر أن يطفيء جهاز التلفزيون. لماذا؟ لأن معلِّمة  القرآن قالت لنا إن سماع الأغاني حرام. وهكذا لم يعُد الأب يرسل أطفاله إلى المدرسة العربية.

فهذه الملِّعمة المهاجرة لم تستوعب الثقافة الإسلامية وتأدلجت بسهولة.

وختاماً، فإن الهجرة ليست فرضاً واجباً على الأمم. فالبلدان التي تُعمِّم تعليماً جيداً باللغة الوطنية التي هي لغة سوق العمل كذلك، وتوفّر الخدمات الصحية لمواطنيها، وتراعي حقوق الإنسان فتوفر العمل وتعويضات البطالة لمواطنيها، وتسود فيها العدالة ، تنعدم دوافع الهجرة لدى مواطنيها. ومن أمثلتها كوريا الجنوبية وماليزيا وسنغافورة، أفقر الدول بآسيا في الستينيات، أما اليوم فهي دول متقدمة التي لا يرغب مواطنوها في الهجرة.

الدكتور علي القاسمي

شاهد أيضاً

صحتك تهمنا : من دون طبيب أو دواء.. كيف تقهر “ارتفاع ضغط الدم”؟

السفير العربي – سكاي نيوز : يعاني ملايين البشر في العالم من ضغظ الدم، الناجم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: